الشهر الثالث من العام ¸لا اعلم أي سنة هو فقط زمن تراكم ليصل بنا إلى هذا
اليوم .
صباحه غائم و وجهه حزين كوجه امرأة مسنة ترعى طفل يكبرها بعدد سنين مشاركته
في الحروب ˓ عجوز بقلب طفل أرهقها اللعب فوافقت على الجلوس خاضعة لما يأمرها به الأكبر
منها سنا . تعد له الفطور ككل صباح ˓ بيض مقلي ˓ حليب ساخن مع قليل من الزعتر كما يحبه˓ و إذا برد قليلا تعيد تسخينه . تشغل الراديو على تردد الموسيقى
القديمة بقدم أسوار بيتهما و أسراره˓ رقصهما ˓شجارهما ˓ بكاؤهما ˓ ضحكهما ˓ وحدتهما
... . بعد وهلة تردد ام كلثوم :
" رجعوني
عنيك لأيامي اللي راحوا
علموني أندم على
الماضي وجراحه
اللي شفته قبل ما تشوفك عنيه

تسمع طقطقة رجليه
و هو يتجه نحوها فتدير وجهها إليه ˓ نظراته تخجلها لتهرب منه إلى الانشغال بطي
المنشفة لأكثر من مرة ˓ ترتبك من هذه اللحظات القليلة و القصيرة ˓ تحاول في كل مرة
أن تستغلها إلى أن يدخل في دوامته الحربية التي لا تنتهي ˓ يتحول إلى الجندي الصارم و القوي ˓ الذي حمل
صديقه المصاب إلى مسافة الموت ˓ محررا ارض غير أرضه ˓ محاربا في صفوف جيش غير جيشه
˓ باحثا عن سلام لا سلامه ͅ تقترب
منه لتضع يدها على كتفه و هي تخبره"
لست وحدك " ˓ يرد بصوته العالي " تركت وحيدا يومها " متحدثا عن يوم
موته ˓ عندما ظل وسط بركة من الماء لليلة كاملة ممسكا جثة صديقه˓ حتى لا يجدهما جنود العدو ͅ يخبرها " الحروب لا تقتلنا
تقتل ما فينا ˓ تمحي أثرنا من هنا ˓ لنحيا بغير أنفسنا " ͅ مرددا بغير روح و
هو يمرر يده على جروح الحرب العميقة ͅ فتمسك يده و تقعد على ركبتيها أمامه لتذكره
في كل مرة لمح عينيها انه لم يخسر حرب الموت و لكن خسر أمام أسلحة حبها ͅ تهدئه و الدمع في عينيها " لست
مستعدة أن أخسرك ˓ يكفيني انك هنا ˓ انك تنظر لي الآن ˓ أني اسمع أنفاسك تخبرني كم
أنا محظوظة أني لم أفقدك وسط كل هذا القتل و الموت ."
...
هند الحاتمي





