نتسابق نحو كسب محبة الاخرين، و ننسى ان نحب انفسنا. حتى ان نقدم لها القوة وسط كل هذا الضعف، الذي يتخبطنا كل صباح في ملامح المارين. على وجه طفل شاحب يحمل حقيبة ظهره الثقيلة، او اعين تلك النساء التي تخترق قلبك وهن ملثمات تجلسن على قارعة الطريق، تضعن امامهن سلة بها غداء اليوم مع طرف خبز ساخن، ليتوجهن الى تلك المزارع المجاورة. تقطفن محصول الطماطم او العنب مقابل ثمن باخس . او ذلك الوالي عن ابناءه الذي قابلته يترنح من مخلفات سهرته مع اصدقائه، او تلك الخدود التي شهدت ليلة قاسية من جراء خيبة لم تتوقع حدوتها .
"هذه الخيبات لها فضل كبير على الكثير فهي التي تدفعك الى ارتكاب الحمقات الصحيحة كان يجب ان تقوم بها في يوم من الايام "
حملت هدايا عيد ميلاده في كفة و خيباتها في كفة، توجهت الى اول قطار يوصلها اليه. كان يصر على لقائها قبل الرحيل الى منفاه . في طريقها اليه كل مرة تتفقد حقيبتها انها لم تنسى الهدايا، و الحقيقة انها نسيت نفسها من حيث جاءت كانت تسيير اليه بدونها .
"تظن ان التخلي عن نفسها اسمى من التخلي عنه "
عند وصولها اليه لا الوصول الى المحطة و المدينة و الناس، كان يعلو وجهها الخوف، الذي كان في محله . لكن ما ان رأته جالس هناك على الدرج حتى ابتسمت . لتسرع نحوه بخطوات متتاقلة ويأتي اليها هو الاخر مبتسما، أربك كل ما كانت تنوي إخباره .
كل ماكان يجعلهما أقرب هو قوة ارتباطهما، ما ان يسلما على بعض حتى تجدهما ينساقان في الحديث، لا يعلمان الى أين الوجهة، حتى يجدون أنفسهم في مكان يرتحان فيه . احيانا قد يحدث العكس، كما حدت آخرة مرة، عندما عرفا انه اليوم الاخير للقائهما كجسد واحد، حاولا تحديد وجهتهم فكانت النتيجة سالبة الى مقهى جعلهما يغيرانها للمرة الثالثة .
كانا يهربا من بعضهما، لكن جلوسهما قبالة بعضهما جعل الامر محتم، وهو اتخاد القرار، فكان هو السابق الى ذلك فبدأ الحديث بصوت خافت و بكلام غير مفهوم حتى رفعت رأسها اليه مبتسمة قائلة : " قلها أوإنتظر سأنوب عنك وأقولها أنا آسف لنأستطيع أن أكون الشخص الذي يستحقك ... " و هو ينظر بعيدا يحاول الهروب من نظراتها، التي تعاتبه و تؤنبه على أنانيته .
كل الكلام اختزلته في بريق عينيها الدامعتين، تعاتبه على كل صباح حدتته عن قيمة وجوده في حياتها، تفاصيل يومها التي لم تخلو من تذكيره بانها لا احد بجانبها غيره، و عن ليالي سهره مع اصدقائها و خوفها عليه، كل مرة ارتفعت دقات قلبها و هو متأخر. او سهرها الى الصباح حتى تعلم انه وصل الى منزله سالما. اما الرسائل التي كانت تكتب اليه و تخبئها بين رفوف الكتب قد عاتبوها على سداجتها .
" الخوف من الاشياء هو الدافع الاول الى معرفة مصيرنا "
اما الايام التي كانت تحاول ان تفهم ما يحدث معه و هو يصد عنها كل طريق اليه و بعنادها تحاول و تحاول ... كل ما تحصل عليه هو كلام يتطلب الكثير حتى يشفى ولأنه كان هو مرادها و للاسف هي لم تكن مراده .
هند الحاتمي .


